التخطي إلى المحتوى الرئيسي


في يومِ الأحدِ الموافقِ 16/2/1439هـ أزِفَتْ لَحْظَةُ ودَاعِ بطلٍ، وحانَتْ ساعةُ رحِيلِ رجلٍ شامخٍ عن أهلِهِ ومحبِّيه، كان ذلك اليوم هو آخر يومٍ للأميرِ الشَّاب منصور بنِ مقرن نائبِ أميرِ منطقة عسير في هذه الدنيا  مبتعداً عن أحضانِ وطَنِهِ الرؤوم، وشَعْبِهِ العظِيم، وهذه رحلتُنَا جميعاً من هذه الدنيا القصيرة، فمهما بلغتْ بِنا السُّنونُ فسننتقلُ عنها راغمينَ عندما تحينُ ساعةُ الرحيل، ويحضرُ الأجل:
حُكمُ المنيّةِ فــي البريّــةِ جـارِ
ما هـذه الدُّنـيـا بــدارِ قَـرارِ
بينا يُرى الإنسانُ فيها مُخبِرًا
حتى يُرَى خَبراً من الأخبارِ
 في يوم رحيل الأمير منصور كان للدُّمُوعِ مَوعِدٌ، وللعَبرَاتِ صَوتٌ  وللعِناقِ حُضُورٌ، وللآهاتِ صدى، وفي وداخلِ أسوارِ قصر الوالد الأمير مقرن بن عبدالعزيز حانت لحظة فِراقِ الأمير منصور لأهله وذويه، ورُفَقاءِ عُمْرِه، وشُركاءِ ذكرياتِه، يشارِكُهُمْ الشَّعَبُ السُّعُودي حُبَّاً في شخصِ الأميرِ الملتزمِ بدينِهِ، المُحِبِّ لوطنِهِ، لقد فقدَهُ الوطنُ، وتأثَّر لموتِهِ المُجتمَعِ، وبكى الوالدان بدموعٍ حَرَّى، ولسانُ حالِهِما يُردد:
أرى الباكيـن فيـك معي كثيـراً
وليس كمن بكـى من قـد تباكى
وفي يوم الثلاثاء الموافق 18/2/1439هـ وصل جثمان الأمير منصور وكان في استقبالِهِ الأبُ الرؤوف والوالدُ الرحيم الأميرُ مقرن، يعضدُهُ أبناؤه وبجوارهم أبناءُ العمِّ، ومحبُّو الأمير، وبعد أداءِ الصلاةِ على الفقيد تحرَّك النَّعشُ يحمِلُهُ الرِّجال؛ ليُدفَنَ في مقبَرةِ المسلمين على سُنَّةِ سيد المرسلين صلّى الله عليه وسلم يرفعونَهُ فوق أعناقهم قد تغيرَتْ أحوالُهُمْ وتبدَّلتْ مواقِفُهُم، يحملونه وعَبَرَاتُهُم تفْضَحُ تمَاسُكَهُم، وعلى شفيرِ القبرِ كانت اللَّحظَةُ الأَصْعَبُ، لحظةُ فِراقِ الحبيب، في ذلك المكان الهادئ المكتضِ بالسكان الصامتين، يرتعَشُ جِسمُ الإنسانِ، ويهتزُّ كيانُهُ، ويزدَادُ بُكاؤه ويرتفعُ صَوتُ نشِيجِهِ، إنها لحظةُ فِرَاقٍ وما أقسَاها من لحظة، يعيشُهَا الأَحِبَّةُ عند وَدَاعِ حبيبهِم  ويُسوَّى القبرُ ويُدفن الابنُ منصور بـ بسم الله وعلى سنة رسول صلّى الله عليه وسلم، ويُهالُ التُّرَابُ على قبْرِهِ  ويقف الوالدُ الأميرُ مقرن يدعو لحبيبه، وفلذةِ كبده ولسانُ حالِهِ يردد:
فيا قبرَ الحبيبِ ودِدْتُ أنِّي
حَمَلْتُ ولو على عَينِي ثـَرَاكـا
‏سقـــاكَ الغيـثُ هتَّانـاً وإلَّا
فحسبُـكَ من دُمُوعِي ما سقاكا
وفي موقع آخر تقفُ الوالدةُ الرؤومُ والأُمُّ الحنون تتأمل رحيلَ ابْنِها وغاليها في موقف مؤثر، أستميحُكُم عُذراً فلا قُدْرَةَ لحُروفِي، ولا طاقةَ لكلماتِي أنْ تصِفَ ذلكم المشهدَ المَهِيب لكنَّها كانت -من خلال ما يصِلُها من صُوَرٍ- ترمُقُ نعْشَ ابنِها وحبيبِها بعَينِينِ اختلطَ فيهمَا بَرِيقُ الدُّمُوعِ بغاشِيةِ الحُزنِ، لكنَّها كانتْ ثابتةَ الجَنَانِ تُكثِرُ من حمْـدِ اللهِ تعالى وتُرجِعُ الأمرَ لله عز وجل.
شكراً لتلك الأُمِّ الشامخة التي تعلَّمَ منصور في مدرسَتِها، فأخرجَتْ أمَيراً فاضِلا، ورجُلاً شهْمَا، ومسئولاً أمِينَا، وكأنِّي بها من على سِجَّادةِ صَلاتِهَا تُردِّدُ بِصَوتٍ خَافِت: رَحِمَكَ اللهُ يا بُنَيَّ، رحِمَكَ اللهُ يا منصور، واللهِ إنِّي أُحِبُّكَ كثيراً، ولا يمكن أن أنساكَ أبدا، وكيف أنسى من ارتمى في حضني طِفْلا، ودرَجَ بين يَديَّ صبِّيا، وشَقَّ طريقَهُ تحتَ ناظِرَيَّ شاباً يافعا، وهاأنت أيُّها الابنُ البارُّ ترْحَلُ عن دنيايَ بجَسَدِكَ ورُوحِك، أمَّا خيالُك الجميل فسيبقى بيننا يستوطِنُ كُلَّ مكانٍ سكنْتَهُ، وكُلَّ أرْضٍ وطِئتَهَا، وكُلَّ خَطْوةٍ مشيتَها.
أودَعتُهُ نِصْفَ رُوحِي يومَ ودَّعَنِي 
والنِّصْفُ باقٍ مَعِي للهَمِّ والحُزْنِ 
وشكرا لتلك الزوجةِ السامِية... التي وقفَتْ شامخةً بإيمَانِها، مُعتزَّةً بسيرةِ زوجِها الذي أجمع النَّاسُ على محَبَتِهِ، والثناءِ على جميلِ سيرتِه، ولا بد أنَّ وراءَ هذه السيرةِ العَبِقةِ امرأةً موفقةً، آزَرَتْ زوجَها، ودعَمَتْهُ، وشجَعَتْهُ حتى أصبحَ يُشارُ له بالبنَانِ؛ رجولةً  وتواضعا، وأمانةً وصِدْقَا، وجُودَاً وكرَمَا، لقد كانت بصْمَتُهَا واضحةً في حياةِ الأميرِ، وستبقى أيامُهُمَا خالدةً في ذاكِرتِها وسترفعُ كفَّيها كلَّما ذكرتْهُ، وتلهجُ بلسانِها داعيةً له.
قـد قضَـى اللهُ بالبُعـادِ علينـا   
فعسى باجتماعنا سـوفَ يقْضِي 
أحسن الله عزاءَ عسير ومحافظاتِها فإنَّ أهلَهَا لن ينسوا ذلك اليومَ الجميلَ عندما دخل الأميرُ ديارَهم مبتسِماً لهم، بشخصيتِهِ المتفردَةِ بجمالِ روحها وسُمُوِّ أخلاقِها، ورَوْعَةِ تعامُلِها، لقد كانوا فَرَحِين مسرورين؛ لِمَا رأوا فيه من خُلُقٍ كريمٍ، وخِصالٍ جميلةٍ في بدايةِ مسيرتِهِ العملية، فلمَّا رَحَلَ آلمَهُمْ فقدُهُ، وأتعبَهُمْ فِرَاقُهُ، حتى قال شاعِرُهُمْ يَصِفُ حَالَهُم:
تدرون وش يعني لنا موت منصور
أكبــر فقيــدة عالجنــوب وأهلهــا
أنـا اشهـد انـه كـان للـدار مذخـور
بصمة عطا يفخر بها من ذكرهـا
عندما نَزَلَ الأمِيرُ منطقةَ عسير خاطَبَ أهلَهَـا بلسانِ حالِهِ قائِلاً: لقد ألقيتُ رِكابِي بينَكُمْ، ووضَعْتُ رحْلِي عندَكم، فعسيرُكم سهلةٌ عندي، شامِخَةٌ في نظري، هي أجْملُ من أُوروبا وأنهارِها، وأروعُ من أمريكا وصِناعاتِها، أشُمُّ عبَقَ التاريخِ في جَمَالِ رُوحِ أهلِهَا، وسُمُوِّ أخْلاقِهِم، ونُبْلِ صِفَاتِهمْ، ويكفي أنَّنِي سأُقيمُ بها، وأعيشُ بين أهلِهَا، أطْوِي أوديتَها وشعابَها، وأصعدُ قِمَمَ جبالِها، أشمُّ هواءَها العليل، وأشْرَبُ من ماءِ مُزْنِهَا السلسبيل.
ونَستعْذِبُ الأرضَ التي لا هوا
بِهَا ولا ماؤُهَا عَـذْبٌ ولكنَّها وطنُ

هَنِيئاً هذِهِ المآثر العظيمة...لقد تعددت وتنَوعتْ أعْمَالُ الأميرِ الراحلِ ما بين دعمٍ ومؤازرةٍ لجهاز الهيئةِ ورجالِها‏، وستبقى مقولتُهُ المشهورة شاهدةً له: (سنأمرُ بالمعروفِ وننهى عن المنكرِ، وهذا ما تأسست عليه الدولة)، ومن مآثره تلقينُ شهادةِ التوحيدِ لمسلميـنَ جُدُد رجاءَ أن يدْخُلَ في عمومِ حدِيثِ النَّبيِ صلّى الله عليه وسلم (لَأنْ يهديَ اللهُ بكَ رجُلاً واحِداً خيرٌ لك من حُمُرِ النَّعم).
كما كان متواضعا مع الجميع، شاهدنا زياراتِه المتعددة للمدارس، وجلوسَهُ مع التلاميذ، ومحادثتَه المعلِّمين، وملاطفتَه العاملين، وكان يَنْزِلُ للميدان جَنْباً إلى جنب مع المواطنين والمسئولين، يُبْعِدُ الأَغصانَ عن الطريق، ويُزيلُ ما عَلِق بالمكان، مستحضِراً قول النَّبي صلّى الله عليه وسلم: (لَقَدْ رَأَيْتُ رَجُلًاً يَتَقَلَّبُ فِي الْجَنَّةِ، فِي شَجَرَةٍ قَطَعَهَا مِنْ ظَهْرِ الطَّرِيقِ، كَانَتْ تُؤْذِي النَّاسَ كما كانت ابتسامته لا تفارقُ مُحيَّاه؛ رغبةً في كسْبِ الثَّوابِ، وامتثالاً لتوجيهِ النَّبي صلّى الله عليه وسلم القائل: (وابتسامَتُك في وجْهِ أخيكَ صدقة).
تاريخ مجـده بالوفا دوم مذكور
من طيب قلبه كل دمعة مسحها
مرحوم يا من سيرته كلها نور
عساك في الجنـة بعالي رتـبهـا
رَحِمَ اللهُ الأميرَ منصور... أخلَصَ في عمَلِهِ فأحبَّه الناسُ، وعَمِلَ قليلاً لكنَّهُ أنجَزَ الكثير بشهادةِ المواطنين والمسئولين، رحَلَ عن الدنيا فارتفَعتْ الأكُفُّ ولهجَتْ الألسنُ بالدُّعاءِ له، وستبقى ذِكْرَياتُ طفولتِهِ، وأخبَارُ صِّبَاه ماثلةً أمام أهلِهِ ومحبِّيه، وسيتحدثون عنه طويلا، ينتقون أجْمَلَ العِبَاراتِ، ويختارُون أبلغَ الكلِمَاتِ، فمَا يُكِنّونَهُ من حُبٍّ، وما يحْمِلونَ له من وفاءٍ أكبَرُ وأسمَى.
تبكي الجنوب وتشتكي فقـد منصور
والدار تنعى رمز غالـي سكنها 
نُعَزِّي الوالِدَين الكريمَين ونقُولُ لهما.. شُكراً لجَميلِ تربِيتِكُمَا، وهنِيئاً تمامَ سعيِكُمَا، ونجَاحَ مهمتِكُمَا، ونبشِّرُكُمَا بأنَّ كُلَّ خَيْرٍ عَمِلَهُ الأميرُ الراحِلُ سيكونُ لكُمَا مِنه أعظمُ الأجرِ، وأجزلُ النصيب، فاللهُ تعالى يقول (  وأنْ ليسَ للإنسانِ إلَّا ما سعى)، والابنُ وما عَمِلَهُ هو من سعي الوالدِ كمَّا بيَّنَهُ العلماء، وإنَّ ممَّا يخفِّفُ من الحُزْنِ على فراق الأمير منصور - رحمه الله - ويُهوِّنُ من المُصابِ ذلكم التفاعل المجتمعي الكبير مع الراحل، وما اشتهر به من مكارمَ عظيمـةٍ  وذكرٍ جميل، ولسانُ حالِ المُعزِّيـنَ يُردِّدُ:
‏فَهوَ الذي بالطِّيـبِ يُذكَرُ فِعْلُهُ
‏وصِفاتُهُ أزكى منَ الرَّيحَانِ
أخيرا... هنيئا للأمير منصور - رحمه الله - ولأسرته ومحبِّيه هذا القبول الكبير، والذكر الحسن، فقد كان مشهوداً له بالخير، وفِعلِ المعروف، وجَبْرِ الخواطِر، وتنفيسِ الكُرَبِ والنبيُ صلّى الله عليه وسلم يقول:( مَنْ نَفَّسَ عَنْ مُؤْمِنٍ كُرْبَةً مِنْ كُرَبِ الدُّنْيَا نَفَّسَ اللهُ عَنْهُ كُرْبَةً مِنْ كُرَبِ يَوْمِ الْقِيَامَةِ)، وقد شُهِدَ له بذلك فأحبَّهُ الخلقُ، وبكَوا لفِرَاقِهِ، وترحَّمُوا عليه:
‏ذكره غدا في قلوبنا حب وشعور
واسمـه مخلـد فـي عسيـر وأهلهـا
وأنا اشهد انه كان بالخير مذكور
كم من خواطر عقب كسرٍ جبرها


رحِمَ اللهُ الأميرَ منصور ومرافقيه وغَفَرَ ذنوبَهم، ورَفَعَ درجَاتِهم، وأعلى منازِلَهُم، وأخْلَفَ خيراً على أهلِهِم وذويهِم.


                                    د. فهد بن منصور  الدوسري
                                 fhad555z@hotmail.com

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

يوم 17 يناير 1991م، كان يوماً مختلفاً في حياة الأمة، فقد أصبح الناس على حدث عظيم، سجله التاريخ بمداد من ذهب لخادم الحرمين الشريفين الملك فهد بن عبدالعزيز رحمه الله، وللشيخ جابر الأحمد الصباح رحمه الله، وستتذكره الأجيال على مرِّ الزمان، وكان انطلاق هذا الحدث نتيجة تلبية نداء من أمير الكويت الشيخ جابر لأخيه الملك فهد؛ لتحرير البلاد من الغزو الغاشم، حيث كانت الاستجابةُ سريعةً من لدن الملك فهد بانطلاق قوافل عسكرية، وكتائب بطولية من قوات التحالف المكونة من 34 دولة، دحرت المجرمين، وأنقذ الله بها أرواح الآمنين، وصان الله بها أرض الكويت العزيزة، وأوطان الخليج العربي. رحم الله القائدين الشامخين.. عندما التقيا في الخامس من أغسطس 1990م في جدة، وبحثا في أسلوب التحرك إزاء العدوان على الكويت، وكان اجتماعا موفقا، أعقبه دخول قوات عسكرية، حمى الله بها أهلنا في الكويت الحبيبة، وهبت الأمة جمعاء، ومعها دول العالم مؤيدة للقرار الشجاع شاكرة حسن صنيع الملك فهد، وداعية له بالتوفيق والعون والسداد، وللشيخ جابر بتحرير بلده واجتماع شمله بشعبه. لا كبرت المشكلة والشر قام وقعد ... ما تغرق الباخرة والفهد ...